قصة قصيرة.. شاعرية الغموض.. شاعرية الغموض

نُشر منذ سنتين
حفظ
غلاف المقال

والحق أن «الخنيزي» قد بذل جهدًا مضنيًا في ترجمة هذه المختارات الشعرية التي أشرنا لها سابقًا، وذلك عبر تقصي أخبار الشاعر عبر وسائل عدة منها: الأعمال الشعرية المطبوعة، والقصائد المرفقة عبر المواقع الإلكترونية، وحوارات الشاعر عبر منصات الجامعات الأكاديمية… إلخ.
ولنتأمل هذا المقطع لآشبيري من قصيدة «تاريخ حياتي» الذي يقول فيه:
في يوم من الأيام كان هناك شقيقان
ثم كان هناك واحد فقط: أنا نفسي.
ويقول في قصيدة «هذه الغرفة»:

الغرفة التي دخلتها كانت حلمًا بهذه الغرفة
حتمًا كل آثار الأقدام على الأريكة هي لي
الصورة الشخصية البيضوية
لكلب هي صورتي في عمر مبكر
شيء ما يتلألأ
شيء ما قد امحى
كنّا نأكل المعكرونة ظهر كل يوم
ما عدا الآحاد عندما يُستجلب طائر سمان صغير
كيما يُقدم إلينا
لماذا أخبرك هذا كله؟
أنت حتى لست هنا.

نعم، إنه هذا التصالح مع الواقع المرير وفقدان الأحباب وتجاوز التخوم الفاصلة بين الحلم ومرآة الواقع، فكل انعكاس في النهاية هو وضوح للصورة وليس تشويشًا فيها، وليس هناك من شك أن الانفتاح الذي امتلكه «آشبيري» على لغات وثقافات أخرى جعلت من نصّه الشعري متحفًا للأدب العالمي، فنجده يقول:
سيرفانتس كان نائمًا عندما كتب دون كيخوته
جويس نام خلال فصل الصخرة المرتحلة في عوليس

هومر هز رأسه من النعاس ونام بين ساعة وأخرى خلال الجزء الأكبر من الإلياذة
على أنه كان مستيقظًا عندما كتب الأوديسة.
هذه التيمة ذاتها التي تكررت في قصائد أخرى مثل: «زهرة الليلك»، ولا يترك «آشبيري» مناسبة إلا ويغتنم خلالها تجربة محاكاة الطبيعة والتماهي مع مفرداتها كما في قصيدة «مزرعة III» التي يقول فيها:
موجات صغيرة تخبط الأحجار الدكناء
الزوجة تقرأ الرسالة
ليس هناك من شيء نهائي: إشارات للحروف الشمسية الأخيرة

للماشية والدواب المرقطة التي غزت المكان.
القصائد المُعمِّرة

لقد كان مثالًا واضحًا على ارتباط الشعر بالتأمل وبواطن الأمور، فاللحظة الشعرية أولى بها أن تُعاش بدلًا من محاولة تفسيرها والانهماك في تقصي معناها، ولعل هذا ما عبّرت عنه الشاعرة والناقدة «ميغان أورورك» عن أشعار آشبيري، ناصحة القراء بـ «عدم محاولة فهم القصائد، بل الاستمتاع بصياغتها، على النحو الذي نستمع فيه إلى الموسيقى».

ولعل هذه القدرة على التقاط الشعر من جزيئات الهواء المتطايرة وتحويلها إلى بناء فني متكامل، هو ما دفع بلجنة تحكيم جائزة «غريفين» الأدبية الدولية في كندا إلى منحها لديوانه «ملاحظات من الهواء: مختارات شعرية لاحقة» عام 2008، حيث ارتأت اللجنة أن هذه المختارات الشعرية

– التي أشرف على اختيارها الشاعر بنفسه – تعدّ كنزًا قوميًا يظهر خلاله التطور الملحوظ لقصائده منذ منتصف الثمانينيات حتى الوقت الحاضر، وهذا يعني أن «آشبيري» الذي فارق الحياة في سبتمبر 2017 ما تزال قصائده تضيء وتنتشر بين النقاد والقراء حول العالم.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
☆ مدير المنصة
مدير المنصة

مدير المنصة موثّق ☆ المدير

مدير المنصة · مصر

حساب إدارة منصة star ads .

عضو منذ 2026
8.8Kمقالًا 1متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة